تكفل الله سبحانه وتعالى بحفظ مصر، وكرمها وأنزلها منزلة عظيمة ورائدة بين الأمم، وعلى مر العصور شهدت الدولة المصرية الكثير من التحديات والمواجهات والمكائد لكن بفضل الله ووعي أبنائها المخلصين تمكنت من تجاوزها ونهضت مرة أخرى، وكانت ثورة 25 يناير 2011 وما جاء بعدها من أحداث من أهم ما مرت به مصر، حيث طفت جماعة الإخوان المسلمين على السطح وخطفت الثورة من أصحابها الحقيقيين، واستولوا على الحكم، فجاءت ثورة 30 يونيو لتخلص الدولة من هذه الجماعة الهدامة بعد نحو عام من حكمها المرير.
وفي هذه الأيام تمر علينا اليوم الذكرى الثانية عشرة لثورة 30 يونيو المجيدة، الحدث الفاصل في تاريخ مصر الحديث، الذي خرج فيه الشعب المصري بالملايين ليعلن نهاية مرحلة من الارتباك السياسي والتهديدات الممنهجة لكيان الدولة، وبداية عهد جديد من إعادة البناء والتقدم،
خرج أكثر من 30 مليون مصري إلى الشوارع والميادين في مشهد غير مسبوق في التاريخ السياسي الحديث، ليطالبوا بإنهاء حكم جماعة الإخوان المسلمين، بعد عام واحد من تجربة حكم كشفت سريعًا ما وصفه كثيرون بـ"الوجه الحقيقي" للجماعة.
لم يكن خروج المصريين عفويًا، بل كان نتيجة تراكم مشاعر الغضب من محاولات تفكيك الدولة ومؤسساتها، والتعدي على القضاء والإعلام، ومحاولات اختراق الأجهزة الأمنية، إضافة إلى الفشل الإداري والتخبط السياسي، الذي جعل مستقبل الوطن في مهب الريح.
وجاءت الاستجابة الحاسمة من المؤسسة العسكرية المصرية بقيادة الفريق أول عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع آنذاك، "الرئيس الحالي لمصر "الذي أعلن انحياز القوات المسلحة الكامل لإرادة الشعب، ورفضها القاطع لانقسام الدولة أو تهديد أمنها القومي. وفي مشهد تاريخي تم الإعلان عن خارطة طريق سياسية، وكان موقف الجيش في ذلك التوقيت حاسمًا في تجنيب البلاد السيناريوهات الأسوأ، التي كانت مرشحة للوقوع، في ظل تفاقم حالة الانقسام، ومحاولات الإخوان جرّ البلاد إلى مواجهة دامية من أجل الحفاظ على مكاسبهم السياسية، ولو على حساب الدولة ووحدتها.
وفي السطور التالية استطلعت اللواء الإسلامي آراء عدد من علماء الدين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ والباحثين في شئون الحركات الإرهابية وجماعات التطرف للتعرف على أهمية تلك الثورة، وفضلها في عودة الدولة الوطنية وحماية المقدرات وكشف الوجه القبيح لتلك الجماعة.
يقول د. سيف رجب قزامل أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر والعميد الأسبق لكلية الشريعة والقانون بطنطا إن ما قامت به الجماهير في 30 يونيو 2013، وضع مصر في مكانها الصحيح، فقد خرجت في سبيل التغيير، واجتمعت القلوب على كلمة سواء، نتيجة لحب الوطن، وهذا يثبت أن مصر على الدرب الصحيح، فلا تزال الفطرة السليمة موجودة في المصريين على مستوى كل الأوساط وقت الشدة والجد، ولا تجد إلا الرأي الواحد والكلمة الصحيحة لمصلحة الوطن، وليس تجاه حزب معين، إنما تختفي المصالح والملامح الشخصية في سبيل مصلحة الوطن والتضحية من أجل الوطن، والبعد عن الأهواء وما إلى ذلك، مشيرا إلى أن ما رأيناه إنما هو ترجمة صحيحة لحب الوطن والحفاظ على مقدراته والبعد عن التدني في الأهواء وحب الذات ورفض نصرة حزب معين لا ينوي الخير لبلاده.
ويضيف د. قزامل: الثورة كانت ترجمة حقيقية للمصريين الذين يقدرون مصر وعمقها التاريخي وأهميتها والحفاظ على تراثها في كل عصر، ودورنا الفعلي أن نحمي الشباب والأجيال الجديدة والنشء من الإنجراف نحو الأفكار الهدامة التي يبثها هؤلاء المتطرفون، وقد بين السيد رئيس الجمهورية في أكثر من مناسبة أهمية الوعي الذي ينبغي أن يعيه كل شاب وفتاة ورجل وأمرأة، فنعمل جميعا على أن نعلي من مقدرات الوطن ومصلحته وأهمية المرحلة التي تمر بها المنطقة والظروف المحيطة بمصر، وقد رأينا ما لحق ببعض الدول العربية، ومصر تعتبر العمق الحقيقي للدول العربية والإسلامية والشرق الأوسط بأكمله.
الأحزاب الدينية
ويؤكد د. قزامل أن الكل يعلم ويقدر مكانة وموقع مصر وأثرها في كل المجالات، وسنبقى إن شاء الله، وبوعي شديد نستطيع أن نحافظ على مقدرات الوطن والوقت الراهن والأحداث من حولنا نحتاج إلى أن نوصي الجميع بأن تكون عيوننا مفتوحة وحامية لمقدرات مصر وأن نُبعد عنها كل المكائد، مشيرا إلى أن الله تعالى كان فضله علينا عظيما عندما جعل الأزهر الشريف من مصر كعبة العلم الديني، فإن كانت الكعبة الشريفة مقدسة وإليها نحج لله سبحانه وتعالى، ونؤدي المناسك، فقد جعل الله لحكمة ما الأزهر ومشايخه وأهله من مصر بأن ندعو إلى الله تعالى لفهم كتابه ولفهم سنة رسوله صلى الله عليه وسلم فهما صحيحاً، بعيدا عن الشطحات والنعرات الهدامة والتشدد والبعد عن الاهواء والانتماء لحزب معين أو سياسة معينة واتجاه ما، بل لبيان حكم ما وبيان الشريعة في وسطيتها وفي يسرها وسهولتها وفي اتفاقها مع الفطرة السليمة التي أودعها الله تعالى في قلوب بني البشر، فالأزهر الشريف علامة بارزة يأتي إليه المسلمون من شتى أنحاء العالم الإسلامي ليتعلموا الإسلام الصحيح البعيد عن التشدد و التطرف أو التسيب، فكم رأينا من أشخاص يفتون بأفكار شاذة ويكفرون الناس ويسفهون الناس بغير بصيرة أو دليل شرعي، مؤكدا أن الدولة لم تقصر في حق هذا الكيان العظيم وترصد ميزانيات كبيرة حيث تعلم مكانة الأزهر الشريف، وهذا يدل على بركة مصر أيضا أن حباه الله به وهو يؤدئ دوره المنشود على أكمل وجه كقوة ناعمة فعلا ومؤثرة في العالم الإسلامي كله.
وحول فكرة إنشاء الأحزاب على أساس ديني، يقول د. قزامل: "ليس لدينا مانع أن نتسابق في الأحزاب ونتنافس في الحكم في الأحزاب السياسية طالما تخدم الوطن وتؤدي أهدافها وأغراضها القويمة من خلال برامجها، الواقع يأخذ بمنهجه للتباري وللتنافس في تحقيق مصالح الشعب في شتى المجالات وهذا امر محمود، ومن ثم فالأساس في الأحزاب السياسية أنها تقوم على برنامج معين يؤدي مهام معينة ومن ثم فلا داعي أبدا أن يتبنى حزب ما اتجاه ديني، فنحن بحمد الله في دولة إسلامية وبها الأزهر والأوقاف والمساجد والكنائس، ومن غير المقبول منطقيا أن يقوم حزب على اتجاه ديني في دولة إسلامية، فهذا تناقض في الفكر، وعلى من يخضع لنظام الأحزاب والترشح والتسابق في هذا المضمار أن يلتزم بالقوانين في هذا الشأن على أساس حق المواطنة السليمة والمنافسة بين الأحزاب وفق النظم التي وضعت لمثل هذا".
قدر المواجهة
ويقول د. منصور مندور، كبير أئمة وزارة الأوقاف سابق وعضو اتحاد الكتاب: مصر أم الدنيا التي تميزت منذ القدم بالعلوم والفن والحضارة والعراقة والزراعة، وهي الوطن والحضن الذي يأخذك إلى عالم من الراحة والطمأنينة، فعند ذكر اسم مصر فإن أول ما يخطر على البال أنها بلد الأمن والأمان والاستقرار، ولم يجعل الله تعالى ذلك إلا لمكة ومصر، فقال الله تعالى في شأن مصر: "وَقالَ ادخُلوا مِصرَ إِن شاءَ اللَّهُ آمِنينَ"، ومن ثم اختار الله تعالى مصر لتكون مقرا لأكبر مؤسسة إسلامية تُحفظ علوم اللغة العربية والدين الإسلامي وقد تغنى بها الشعراء ومدحها العلماء والأدباء، ففي مصر تعانقت القلوب، وتصافح المحب والمحبوب، والتقى يوسف ويعقوب؛ وكم لمصر من الأيادي البيضاء الناعمة على الدول العربية والإسلامية، فقد علّم أساتذتُها ومدرسوها وشيوخُها كثيراً من العرب والمسلمين، وما زال لهم دعاة مبثوثون في قارات الدنيا، لا تخطئهم العين، ولا يغيبون عن المواقع المهمة، ولمصر قرّاء للقرآن هم أساتذة الدنيا في الإقراء وجودة التلاوة وحسنها وليس ذلك لبلد في الأرض غير مصر.
ويضيف د. مندور: تقف مصر في وجه الإرهاب منذ أكثر من خمسين عاما منذ انتشار الأفكار الهدامة الظلامية وهي تحمي البلاد والمنطقة كلها من التشرذم وانتشار الفكر المتطرف من خلال علمائها الأفذاذ وأبنائها الأبرار، وهو ما يعد بمثابة الحرب على جبهتين؛ واحدة من أجل البناء والتعمير، والثانية من أجل حماية الوطن والقضاء على الإرهاب؛ فهناك يد تبني وأخرى تحمل السلاح؛ حتى لا يطمع فيها طامع.




